ابن عجيبة
172
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : ( ذلك أن لم يكن ربك ) : خبر عن مضمر ، وأن على حذف لام العلة ، أي : الأمر ذلك ؛ لأجل أن لم يكن ربك متصفا بالظلم . يقول الحق جل جلاله ، يوم القيامة في توبيخ الكفار : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ أي : من مجموعكم ، أو رسل الجن : نذرهم الذين يبلغون لهم شريعة الإنس ؛ إذ ليس في الجن رسل على المشهور . وروى الطبري من طريق الضحاك بن مزاحم إثبات ذلك ، واحتج بأن اللّه تعالى أخبر أن من الجن والإنس رسلا أرسلوا إليهم ، يعنى ظاهر هذه الآية . وأجاب الجمهور بأن معنى الآية : أن رسل الإنس رسل من قبل اللّه إليهم ، ورسل الجن يبلغون كلام رسل الإنس إليهم ، ولهذا قال قائلهم : إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى الآية « 1 » ، فالرسالة إلى الجن خاصة بنبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، أي : مع الإنس . حال كون الرسل الذين أتوكم يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا يعنى يوم القيامة ، قالوا في الجواب : شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا بالكفر والعصيان ، وهو اعتراف منهم بما فعلوا . قال تعالى : وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ؛ ألهتهم بزخرفها عن النظر والتفكر ، وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ ، وهذا ذم لهم على سوء نظرهم وخطأ رأيهم ، فإنهم اغتروا بالحياة الدنيوية واللذات الفانية ، وأعرضوا عن الآخرة بالكلية ، حتى كان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام للعذاب المخلد ؛ تحذيرا للسامعين وإرشادا لهم . قاله البيضاوي . ثم ذكر حكمة إرسال الرسل فقال : ذلِكَ الإرسال حكمته ل أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ أي : إنما أرسل الرسل لئلا يكون ظالما لهم بإهلاكهم بسبب ظلم فعلوه ، وهم غافلون عن الإنذار ، بحيث لم ينذرهم أحد ، أو : لم يكن مهلك القرى ملتبسا بظلم حيث أهلكهم من غير إنذار ، ففاعل الظلم ، على الأول : القرى ، وعلى الثاني : اللّه تعالى ، على تقدير إهلاكهم من غير إنذار . والأول يتمشى على مذهب المعتزلة ، والثاني على مذهب أهل السنة . انظر ابن جزى .
--> ( 1 ) الآية 30 من سورة الأحقاف .